الشيخ محمد زاهد الكوثري

179

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

من قرب » « 1 » الخبر . . . قالوا : فقد أضاف الرسول عليه السلام الصوت إلى اللّه تعالى ، فصحّ ما قلناه ، الجواب من أوجه : أحدها : أنك تقول أولا لا حجة لكم فيه ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم ما قال تكلم اللّه بصوت ، ولا قال بصوت ، ولا قال كلام اللّه أصوات ، كما تزعمون بجهلكم ؛ وإنما قال نادى اللّه بصوت ، وليس الخلاف إلا أن كلامه أصوات ، فلا حجة لكم فيه . جواب آخر : وهو أن هذا الحديث قد روي فيه ما يدل على [ أن ] الصوت من غير اللّه بأمره ، لأنه روي إذ كان يوم القيامة جمع اللّه الخلائق في صعيد واحد ، ينفذهم البصر ، ويسمعهم الداعي ، يأمر مناديا فينادي ، فصحّ أن النداء من غيره ، لكن لما كان بأمره أضيف النداء إليه ، كما يقال : نادى الخليفة في بغداد بكذا وكذا . ويقال : أمر الخليفة مناديا فنادى بأمره في بغداد بكذا وكذا ، ولا فرق بين الموضعين ، فإن كل عاقل يعلم أن الخليفة لم يباشر النداء بنفسه ، لكن لما كان بأمره جاز أن يضيفه إلى نفسه ، وأن يضاف إليه ، وإن لم يكن هن المنادي بنفسه ، ويصحح جميع ذلك القرآن ، قال اللّه : وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ( 41 ) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ( 42 ) [ ق : 41 ، 42 ] فأضاف النداء إلى المنادي ، فصحّ أن الصوت صفة المنادي لا صفة الآمر بالنداء ؛ ومن عجيب الأمر أن الجهال لا يجوزون أن يكون النداء صفة المخلوق إذا كان رفيع القدر في الدنيا ، كالخليفة والأمير ، وينفون عنه ذلك ثم يجوزونه في حق رب العالمين . جواب ثالث : وذلك أنا وكل محقق يقول : إن هذا الصوت ليس بموجود اليوم ، وإنما يكون يوم القيامة ، وكلام اللّه قديم بقدمه ، موجود بوجوده ، فصحّ أن هذا شيء لم يكن بعد ، وإنما يكون يوم القيامة ، ومن زعم أن صفة اللّه تعالى ليست بموجودة اليوم ، وإنما توجد يوم القيامة فقد جعل كلام اللّه تعالى مخلوقا لا محالة ، فصحّ بهذه الجملة أن الصوت ليس بصفة لكلام اللّه تعالى ، وإنما هو صفة للمنادي الذي يأمره اللّه تعالى بالنداء في ذلك اليوم .

--> ( 1 ) يريد به حديث جابر ، وفي سنده عبد اللّه بن محمد بن عقيل ، وهو ضعيف . وقد انفرد عنه القاسم بن عبد الواحد ، وهو ممن لا يحتج بهم عند بعضهم ، ولذا علقه البخاري بقوله « ويذكر » على أن كون الإسناد مجازيا متعين بحديث الدارقطني « يبعث اللّه يوم القيامة مناديا بصوت يسمعه أولهم وآخرهم » . . الحديث . راجع ما علقناه على السيف الصقيل ( 453 ) ( ز ) .